رواية «حبل الجدّة طوما» لعبد الوهاب عيساوي: الكولونيل الذي لم ينجُ من ماضيه
عادت رواية «حبل الجدّة طوما» للروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي إلى واجهة الاهتمام الأدبي هذا الموسم، بعد أن عاد اسمها إلى قوائم الكتب الأكثر تداولاً في المشهد الثقافي العربي، وتحديداً عبر متابعة أخبار الترند في قسم الكتب. الرواية الصادرة قبل نحو ثلاثة عقود، والمرتيها المنقوشة في ذاكرة القراء الجزائريين، تتناول سيرة كولونيل فرنسي عاش بقايا الاستعمار في جسده وذاكرته، فظلّ مقيّداً بحبل رمزي لا ينكسر: حبل الجدّة طوما، تلك المرأة الفلاحة التي علّمته أن الأرض ليست خريطة من حجر.
لماذا تتجدّد قراءة الرواية الآن؟
ثمة ثلاثة عوامل رئيسية تفسّر عودة هذا الاسم إلى دائرة الضوء في هذا الموسم:
- إحياء أدب الذاكرة: تتزامن موجة القراءة الحالية مع اهتمام متجدد بأدب ما بعد الاستعمار، إذ يبحث القارئ الشاب عن نصوص تعيد قراءة التاريخ دون خطابات مباشرة.
- المناهج الجامعية: تدخل الرواية ضمن قوائم بعض المقررات الجامعية في الجزائر والمغرب العربي، ما يدفع الطلاب إلى البحث عن ملخصات وتحليلات لها.
- الرواج الرقال: إعادة نشر مقاطع من الرواية في صفحات الكتب على منصات التواصل أعادت اسمها إلى قوائم الترند.
ثيمة الكولونيل وعبء الماضي
يختار عيساوي بطلا استثنائيا: ضابط استعمار متقاعد لم يستطع أن يمحو أثر سنوات طويلة عاشها في ضيعات الفلاحين. يعود إلى فرنسا، لكنه يحمل معه أصّها أخرى لا تسلّها قوقعة: صوت الجدّة طوما، وصوت الأرض، وصوت من تركهم خلفه. يستخدم الكاتب تقنية الحبل بوصفه استعارة مركزية، فالكولونيل مقيّد لا بحبل مادي بل بحبل الذاكرة، وحبل اللوم، وحبل الانتماء المزدوج.
وتكمن براعة النص في أنه لا يصدر حكما أخلاقيا نهائيا على الشخصية، بل يترك للقارئ مهمة فكّ هذا الحبل طبقة بعد طبقة. لذلك تتحوّل القراءة إلى مواجهة بين القارئ والذات، أكثر مما تكون مواجهة مع شخصية الرواية.
بنية السرد ولغة الحكي
تتميّز رواية «حبل الجدّة طوما» بثلاث سمات أسلوبية لفت الانتباه عند إعادة قراءتها هذا العام:
- تعدد الأصوات: تتقاطع أصوات الكولونيل والجدّة طوما والحفيد في فصول متناوبة، فتتشكّل صورة بانورامية للحكاية.
- الاعتماد على التفاصيل الريفية: توظيف أسماء النباتات والأدوات الفلاحية بدقة يعطي النص نَفَسا شَعبيا أصيلا.
- اللغة الهادئة المتوتّرة: جمل قصيرة مكثّفة تشبه ومضات الذاكرة، وهذا ما يجعل النص سهل القراءة رغم ثقل موضوعه.
أهمية الرواية في السياق الأدبي العربي الحديث
تُعدّ هذه الرواية من الأعمال المؤسسة لما يمكن تسميته أدب المصالحة بين المستعمِر والمستعمَر، وهو فرع سردي لم يأخذ حقه في الدرس الأكاديمي العربي بعد. اعتمد عيساوي على السرد بدل الخطابة، وعلى الرمز بدل الوعظ، وعلى التفاصيل اليومية بدل الشعارات الكبرى. لذلك ظلت الرواية صالحة لإعادة القراءة في كل موسم ثقافي جديد.
نقاط عملية لمن يقرأ الرواية لأول مرة
إذا كنت تبحث عن الكتاب ضمن اهتمامك بكتب الترند الأدبية هذا الموسم، فإليك بعض النصائح قبل البدء في القراءة:
- ابدأ بقراءة الفصل الأول كاملا دون توقّف لفهم نبرة السرد.
- تتبّع شخصية الجدّة طوما بوصفها محور الحكاية لا شخصية ثانوية.
- دوّن ملاحظاتك حول استخدام الكاتب لاستعارة الحبل في كل فصل.
- قارن بين موقف الكولونيل من الأرض في بداية النص ونهايته.
في المحصل، فإن عودة رواية «حبل الجدّة طوما» لعبد الوهاب عيساوي إلى قوائم الترند اليومي في قسم الكتب ليست مجرد ظاهرة عابرة, sino أنها دليل على أن الأدب الجيد لا يشيخ، وأن بعض النصوص تظل قادرة على مخاطبة كل جيل بلغة عصره.